عبد السلام محمد هارون ( اعداد )
58
نوادر المخطوطات
مقدمة هذه الرسالة القيّمة الطريفة في موضوعها - وهو موضوع حيوى اجتماعي فيه الإفصاح عن كثير من غوامض الحياة الاجتماعية في الصدر الأول من الإسلام - صنعها راوية جليل من رواة الأخبار ، يعدّ في الصدر من رجالات التأليف في العصر العباسي ، هو أبو الحسن المدائني علي بن محمد بن عبد اللّه بن أبي سيف . وأبو الحسن هذا بصرى سكن المدائن ، ثم انتقل عنها إلى بغداد فلم يزل بها حتى وافاه الأجل . وكان مولى لعبد الرحمن بن سمرة القرشي ، وهذا يكشف لنا القناع عن سرّ تأليفه لهذه الرسالة يتناول فيها أخبار النساء المردفات من قريش . وكان أبو الحسن ميّالا إلى التأليف في أخبار العرب وأنسابهم وأيامهم ، عالما بالفتوح والمغازي ، وكان لما أنعم اللّه به عليه من عمر مديد جاوز التسعين ، أثر عظيم في ضخامة مكتبته التي أخرجها للناس ، وتناولها ابن النديم في الفهرست بالسرد ، فأربت على ( مائتين وأربعين مصنفا ) يلمح القارئ في عنواناتها جلال علم هذا الرجل ، واتساع معارفه ، وتبحّره في فنون التأليف والرواية . ولد أبو الحسن سنة 135 وترعرع في كنف مولاه عبد الرحمن بن سمرة القرشي ، وعندما انتقل إلى بغداد وصل حبله بإسحاق بن إبراهيم الموصلي فكان لا يفارق منزله . ومما هو جدير بالذكر أن أبا الحسن أغمض إغماضته الأخيرة في منزل صاحبه إسحاق الموصلي في سنة 225 ، وكان إسحاق يبر أبا الحسن برّا ظاهرا ، ويروى أن يحيى بن معين سأله مرة وقد جاز عليه وهو على حمار فاره : إلى أين يا أبا الحسن ؟ فقال : إلى هذا الكريم الذي يملأ كمي من أعلاه إلى أسفله دنانير ودراهم . يعنى إسحاق الموصلي . هذه المكتبة المدائنية التي ابتلعتها أحداث التاريخ فيما طوت من كنوز